اللوح الثاني المكتشف حديثًا من ملحمة كلكامش

مقال

Osama Shukir Muhammed Amin
بواسطة , تُرجم بواسطة Al-Hussain Al-Tahir
نُشِر بتاريخ 09 April 2019

النص الأصلي بالإنكليزية: The Newly Discovered Tablet II of the Epic of Gilgamesh

هو الذي فاقَ كُلَّ المُلوكِ، ذائع الصيتِ مَتين البنيانِ

ابن أوروك، الثَور النَطوح

الذي يَمضي في المقدمةِ كما يليقُ بالقائدِ

ويَسيرُ أيضًا في المؤخرةِ كرَجلٍ مُؤتمنٍ

(تمهيد، اللوح الأول، ملحمة كلكامش. الترجمة العربية وفقًا لفراس السواح، جلجامش: ملحمة الرافدين الخالدة، ط2، دمشق، 2002)

الاقتناء

اشترى متحف السليمانية (في كردستان العراق) عددًا كبيرًا من الألواح الطينية سنة 2011 م، فبعد سقوط نظام صدام المفاجىء في 9 نيسان 2003 ونهب المتحف العراقي إلى جانب متاحف أخرى أطلق متحف السليمانية (بتوجيه مجلس وزراء كردستان العراق) مبادرةً كانت جزءًا من برنامج العفو العام، دفع بموجبها الأموال للمهرّبين ليعترضوا سبيل القطع الأثرية الذاهبة إلى دول أُخرى. لم يُساءَل أحد عن مصدر القطعة الأثرية أو هوية بائعها، إذ اعتقد متحف السليمانية أن هذا الإجراء سيمنع المهرّبين من بيع «بضائعهم» إلى مُشترين آخرين في داخل العراق أو خارجه، فلولاه لفعلوا ذلك بسهولة تامة وبلا عواقب قانونية فعلية.

Newly Discovered Tablet II of the Epic of Gilgamesh
Newly Discovered Tablet II of the Epic of Gilgamesh
by Osama Shukir Muhammed Amin (CC BY-NC-SA)

كان مصدر مجموعة مكونة من عدد كبير من الألواح الطينية هو جنوبي العراق، استُخرجت بأعمال تنقيب غير قانونية تلت نيسان 2003، ولم يكن أيًا مما حازه متحف السليمانية مسروقًا من المتحف العراقي إذ لم يحمل أي لوح طيني رقم حيازة المتحف العراقي أو رقم التخزين أو حتى رقم عملية التنقيب، ولذلك يبقى المصدر الدقيق لهذه الألواح غامضًا. لكن يستطيع المرء أحيانًا أن يُخمِّن مصدر اللوح اعتمادًا على النص المسماري المدوّن عليه، وكان بعض هذه التخمينات صحيحًا؛ فقد تأكّد بعض الباحثين من أن الناهبين استخرجوا عددًا من الألواح من لارسا (هي حاليًا: تل السنكرة، ذي قار، العراق).

كان البروفسور فاروق الراوي (من قسم لغات ثقافات الشرق الأدنى، الدراسات الشرقية والأفريقية، جامعة لندن) موجودًا في المتحف في ذلك الوقت - لحسن الحظ، وقد جذب انتباهه أحد الألواح فورًا وكان ذلك اللوح هو اللوح الخامس من ملحمة كلكامش، وقد ترجمه ونشر عنه مقالًا بالاشتراك مع أ. ر. جورج في حزيران 2014. زار البروفسور فاروق الراوي محافظة السليمانية (شمالي العراق) مؤخرًا لينجز بحثًا عن بعض الألواح الطينية التي اقتناها متحف السليمانية، فالتقيتُ به عددًا من المرات وتبادلنا الحديث كثيرًا، وكان مما أخبرني به -هو وصديقي العزيز مدير متحف السليمانية هاشم حَمه عبد الله- أن الأول اكتشف -في نفس المجموعة- لوحًا آخر يعود إلى ملحمة كلكامش وأنه قد أكمل ترجمته.

Newly Discovered Tablet II of the Epic of Gilgamesh [Reverse]
Newly Discovered Tablet II of the Epic of Gilgamesh [Reverse]
by Osama Shukir Muhammed Amin (CC BY-NC-SA)

الاكتشاف

حصل متحف السليمانية -في 2011- على مجموعة كبيرة من الألواح الطينية، كان من بينها كِسرة صغيرة يقترب شكلها من المثلث وبلغ سعرها -بعد المفاوضات- نحو 300 دولارًا. نُظِّفت الكِسرة فبانَ النص المسماري المنقوش عليها، وقال البروفسور فاروق الراوي «هي جزء من اللوح الثاني من ملحمة كلكامش»، وقد أجريتُ معه مقابلة في 7 نيسان 2019 عن هذا اللوح وما يحمله من معانٍ.

إنَّ طريقة السردِ والنقوش المسمارية يشيران إلى أن هذه القصيدة جزءٌ من النسخة البابلية القديمة من الملحمة

ما الكِسرة التي نجت إلا جزء من لوح طيني كبير، ويدلّ النصُّ على أن اللوح هو من بقايا اللوح الثاني من ملحمة كلكامش، ويُرجّح أن اللوح الأصلي الكامل تضمّن نصوص اللوحين الأول والثاني مكتوبة على لوح كبير، وتشيرُ طريقة السرد وطريقة كتابة النقوش المسمارية إلى أن القصيدة المدوّنة ليست جزءًا مما يُدعى بالنسخة البابلية القياسية المكتوبة بعد 1200 ق.م، بل هي جزءٌ من النسخة البابلية القديمة التي كُتبت إبان عهد ملك لارسا ريم-سين، أو قريبًا من ذلك، أي أنها تعود إلى نحو 1800 ق.م (وفق التأريخ المتوسط).

يروي النَصُّ القصير المدوَّن على هذا اللوح كيف أغوَت بغيّ المعبد المقدّسة «شمخة» (شمخات، شمهات) أنكيدو فأقنعته بالذهاب إلى مدينة أوروك العظيمة ليقابل كلكامش ويقاتله، وقد لاحظ البروفسور فاروق الراوي ملاحظةً مثيرة مفادها أن أنكيدو -حينما كان يريدُ مخاطبة كلكامش- كان يقول «آه كلكامش»، إضافة إلى نقاط أخرى لا استطيع ذكرها لأن البروفسور لم ينشر مقاله بعد، لكن يمكنني القول إن في هذا النص القصير بعض الفروقات أو الاختلافات مع باقي النصوص الموازية له.

Dr. Amin Interviews Professor Al-Rawi
Dr. Amin Interviews Professor Al-Rawi
by Osama Shukir Muhammed Amin (CC BY-NC-SA)

ملحمة كلكامش

قرأتُ ملحمة كلكامش مرارًا، وتوجد منها نسخ قليلة أُعيد إنشاء اثنتين منها -جزئيًا- فقط، ولذلك تُعتبر هاتان النسختان هما النسختان «الرئيسيتان»:

1- النسخة البابلية (الأكدية) القياسية: دوّن هذه النسخة وحرّرها سين-ليقي-أونيني (نحو 1200 ق.م) ويبدأ استهلالها بجملة «هو الذي رأى الأعماق»، وقد وجِدت ألواحها الاثنا عشر في مكتبة آشوربانيبال بنينوى.

2- النسخة البابلية القديمة: وهي نسخة أقدم من البابلية القياسية وترجعُ إلى نحو 1800 ق.م، وتبدأ بجملة «هو الذي فاق كل الملوك».

هناك قصائد سومرية مبكرة تتناول جوانب متنوعة -وغير مرتبطة ببعضها- من قصة كلكامش، وقد يعدّها البعض نسخًا بدائية من النسخة البابلية القياسية للملحمة، وأخبرني البروفسور فاروق الراوي أن لدى متحف السليمانية قصيدة أو اثنتين من هذه القصائد السومرية المبكرة لكنها لم تُترجم بعد.

معظم النص في النسخة البابلية القديمة من الملحمة غير مكتمل بسبب تشظي ألواحه أو احتوائها على فجوات في مواضع دقيقة، ويُطلق على هذه الألواح اسم مكانها الحالي (مثلًا: لوح ييل ولوح بنسلفانيا)، أما اللوح المكتشف حديثًا فجزءٌ من النسخة البابلية القديمة فلِم لا نُطلق عليه تسمية «لوح السليمانية»؟ علمًا أن متحف السليمانية هو أكبر متاحف إقليم كردستان العراق وثاني أكبر المتاحف في العراق - بعد المتحف العراقي ببغداد.

Part of Tablet V, the Epic of Gilgamesh
Part of Tablet V, the Epic of Gilgamesh
by Osama Shukir Muhammed Amin (CC BY-NC-SA)

لا يسعني هنا إلا أن أشكر البروفسور فاروق الراوي على مساعدته اللطيفة؛ فبدون تعاونه الطيّب ما كان لهذا المقال أن يُنشر، وكل التقدير لمدير متحف السليمانية السيد هاشم حمه عبد الله على مساندته الدائمة، وهو ما اعتدنا عليه منه، وأتقدم بالشكر أيضًا للآنسة نيان ناصر حسن وللسيد هيمن نوري على مساعدتهما اللطيفة.

إزالة الإعلانات

إعلانات

نبذة عن المترجم

Al-Hussain Al-Tahir
Author of: From Mesopotamia: Iraq's Contribution to World Civilization (Arabic). Published several articles concerning ancient history on "Modern Discussion"

نبذة عن الكاتب

Osama Shukir Muhammed Amin
Associate Professor of Neurology and lover of the Cradle of Civilization, Mesopotamia. I'm very interested in Mesopotamian history and always try to take photos of archaeological sites and artifacts in museums, both in Iraq and around the world.